إن السؤال الأصعب ليس كيف نتخلص من الشخص النرجسي في حياتنا، وإنما كيف نتوقف عن المساهمة في تكوين بعض صفاته لدى أطفالنا، حتى لا نقضي سنوات في تربيتهم، ثم نقضي سنوات أخرى نتساءل لماذا أصبحوا على هذا النحو.
أصبحت النرجسية من أكثر الموضوعات تداولاً وجاذبية على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى بات كثير ممن مرّوا بتجارب عاطفية أو زوجية مؤلمة يبحثون عن صفات الشخصية النرجسية في شركائهم، ويجدون فيما يُنشر تفسيراً لما يواجهونه في حياتهم ولأسباب فشل علاقاتهم المختلفة، ومع كثرة التحليلات والنصائح، أصبح من السهل إطلاق وصف النرجسي على كل شخص أناني أو متسلط أو لا يعترف بأخطائه، دون معرفة ما إذا كانت هذه السلوكيات تعكس فعلاً شخصية نرجسية أم مجرد صفات سلبية قد توجد لدى كثيرين، وهل تنتهي المشكلة في التشخيص ام اننا امام معضلة حقيقية.
ما لفت انتباهي أننا انشغلنا بكيفية اكتشاف الشخص النرجسي والتعامل معه والتخلص من العلاقة معه، لكننا لم نهتم بالقدر نفسه بفهم كيفية تشكّل هذه الشخصية لنحمي مستقبل العلاقات، من أين جاء هذا الإنسان الذي يرى نفسه أهم من الآخرين، ويحتاج باستمرار إلى الإعجاب والتقدير، ويجد صعوبة في تقبّل النقد أو الاعتراف بالخطأ، وهل يمكن أن تكون الأسرة التي تشكو اليوم من نرجسيته قد ساهمت بالأمس في تكوين بعض هذه الصفات لديه؟
تشير الدراسات النفسية إلى أن بعض السمات النرجسية قد ترتبط بأنماط تربوية مختلفة، منها المبالغة في تقدير الطفل وتمييزه عن الآخرين ( ابني أفضل من الجميع، لا أحد بمستواه، لا يخطئ أبداً)، وقد يرتبط بعضها أيضاً بالتعرض للإهمال العاطفي والنقد والإهانة، بوصف ذلك أحد التفسيرات المحتملة لبعض مظاهر النرجسية الهشة، وإن كانت العلاقة أكثر تعقيداً من أن تُفسر بالتربية وحدها.
فالطفل الذي ينشأ في أسرة تبرر أخطاءه باستمرار، وتلبي رغباته على حساب الآخرين، وتعامله وكأنه يستحق امتيازات خاصة، قد يكبر وهو يتوقع المعاملة نفسها من الاخرين المحيطين به، وحين يدخل علاقة زوجية، قد يجد صعوبة في تقبّل أن لشريكه احتياجات ورغبات وحقوقاً لا تقل أهمية عن احتياجاته، وأن الاختلاف معه لا يعني التقليل من قيمته، ومن جانب اخر، ينشأ بعض الاطفال في بيئة لا يسمع فيها إلا النقد والمقارنة، ولا يشعر بالتقدير إلا عندما يتفوق أو يرضي والديه، وقد يدفعه ذلك إلى البحث المستمر عن الإعجاب والاعتراف بقيمته، أو إلى المبالغة في إظهار قوته وتفوقه لإخفاء شعوره الداخلي بالنقص، وهذا أحد التفسيرات المحتملة لبعض مظاهر النرجسية الهشة، وليس نتيجة حتمية لكل طفولة قاسية.
ولا يقتصر تأثير الأسرة على أساليب تربية الأبناء، فالطفل يراقب أيضاً العلاقة بين والديه، وكيف يتعاملان مع الخلاف والغضب والاعتذار واحترام الآخر، وتصبح هذه السلوكيات التي يشاهدها يومياً جزءاً من فهمه للعلاقات عندما يكبر، وبالطبع، لا يمكن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية تكوين الشخصية النرجسية، فهناك عوامل وراثية وفردية واعلامية واجتماعية أخرى، كما أن امتلاك بعض السمات النرجسية لا يعني بالضرورة الإصابة باضطراب الشخصية النرجسية، لكن ما يستحق أن نفكر فيه، ونحن نتبادل النصائح حول كيفية التعامل مع النرجسيين، هو عدد الأطفال الذين نربيهم اليوم دون أن ننتبه إلى ما نغرسه في شخصياتهم، فقد نبالغ في تدليل أحدهم خوفاً على مشاعره، ونقسو على آخر اعتقاداً منا أننا نعدّه لمواجهة الحياة، ثم نستغرب لاحقاً سلوكيات لم ننتبه إلى بداياتها.
وختامًا، حقيقًة، إن هذه السمات ومنها الشعور بالتفوق، واستحقاق معاملة خاصة، والحاجة المستمرة للإعجاب، والحساسية المفرطة للنقد، وضعف التعاطف مع الاخرين، ليست مجرد سلوكيات عابرة، بل قد تتحول مع الوقت إلى ملامح راسخة في الشخصية، وتؤثر في نظرة الإنسان إلى نفسه وعلاقاته بالآخرين، وقد تمثل لدى بعض الأشخاص نمطاً من النرجسية يؤثر في حياتهم وعلاقاتهم، وقد تكون جزءاً من نمط أوسع يصل في بعض الحالات إلى مستوى اضطراب الشخصية النرجسية، وفق معايير التشخيص السريري، وليس معنى ذلك أن كل طفل يتعرض لهذه الأساليب التربوية سيصبح نرجسياً، وإنما أن بعض الممارسات التي نعتقد أنها جزء من التربية الصحيحة قد تسهم، دون أن ندرك، في بناء الصفات التي نرفضها لاحقاً لدى الكبار، وأكرر هنا أن تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية يتطلب تقييماً من مختص مؤهل، ولا يجوز أن نستبدل التشخيص العلمي بقائمة من الصفات المتداولة والنصائح العامة
والمفارقة أننا قد نبالغ في توجيه أطفالنا خوفاً من أن يكبروا بشخصيات غير سوية، ثم نكتشف أن بعض ما كنا نحاول حمايتهم منه قد ساهمنا، دون قصد، في تكوينه، فكم من سلوك نرفضه اليوم لدى الكبار، كنا بالأمس نزرع بعض بذوره في الصغار ونحن نظن أننا نحسن تربيتهم؟



