خبرني - تجدد الجدل في ليبيا بشأن رفع الدعم عن الوقود، بعدما دعا البرلمان إلى دراسة استبدال الدعم العيني بتعويضات نقدية مباشرة للمواطنين، في ظل ارتفاع فاتورة استيراد المحروقات والأعباء التي تفرضها على المالية العامة.
وجاءت الدعوة على لسان رئيس البرلمان، الصالحين عبد النبي، الذي اعتبر أن منظومة الدعم الحالية تشهد «هدراً كبيراً»، وأن بيع البنزين بسعر 150 درهماً «أمر غير معمول به في أي دولة بالعالم».
وشدد على ضرورة إلزام الأجانب والشركات الأجنبية بشراء الوقود بالأسعار العالمية، بدلاً من الاستفادة من الدعم المخصص للمواطنين الليبيين، مشيراً إلى أن نصف كميات الوقود المطلوبة شهرياً يصل إلى ليبيا، بينما يُرحّل النصف الآخر.
وأثار هذا الطرح مخاوف من أن يؤدي رفع الدعم إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، وانعكاس ذلك على أسعار السلع والخدمات، في بلد اعتاد مواطنوه الحصول على الوقود بأسعار منخفضة.
في المقابل، يرى مؤيدو إصلاح منظومة الدعم أنها تستنزف الموارد العامة، وتتيح لشبكات التهريب والوسطاء الاستفادة من الفارق الكبير بين الأسعار المحلية والخارجية، ما يحرم المواطنين من جزء من الأموال المخصصة لدعم المحروقات.
انقسام حول الإصلاح
وفي هذا السياق، دعا رجل الأعمال والمهتم بالشأن الاقتصادي حسني بي البرلمان إلى الإصرار على الاستبدال النقدي الشامل والفوري للدعم، بما يشمل المحروقات والكهرباء، مع بيع السلع والخدمات وفق تكلفتها الفعلية.
وحذر، في خطاب وجهه إلى رئيس البرلمان، من الاكتفاء بإجراءات جزئية أو تطبيق الإصلاح تدريجياً، معتبراً أن التحول الكامل إلى الدعم النقدي يمكن أن يوفر مليارات الدولارات سنوياً من فاتورة الواردات، ويحسن الميزان التجاري، ويخفف الضغط على الدينار الليبي.
في المقابل، حذر الخبير الاقتصادي والمالي إبراهيم الحداد، في منشور على «فيسبوك»، من أن رفع الدعم عن المحروقات قد يؤدي إلى موجة من ارتفاع الأسعار، خصوصاً تكاليف النقل وتذاكر السفر، ما يزيد الأعباء المعيشية على المواطنين.
واعتبر الحداد أن تهريب الوقود تقف وراءه جهات ومؤسسات ومسؤولون في الدولة، وليس المواطنون، محذراً من تحميلهم تكلفة معالجة الاختلالات القائمة.
كما انتقد احتمال توجيه الأموال الناتجة عن رفع الدعم إلى أوجه إنفاق لا تحقق مصلحة المواطنين، معتبراً أن الإجراء قد يفتح الباب أمام مزيد من الفساد إذا لم ترافقه إصلاحات وضمانات واضحة.
فاتورة تصل إلى 1.5 مليار دولار
ويأتي تجدد النقاش في وقت تواجه فيه ليبيا فاتورة مرتفعة لتوفير احتياجات السوق المحلية من المحروقات.
فقد أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط بيانات شحنات البنزين والديزل التي وصلت إلى الموانئ الليبية خلال أكتوبر 2026، مشيرة إلى أن تكلفة المحروقات الموردة إلى البلاد تراوحت خلال الأشهر الماضية بين مليار و1.5 مليار دولار شهرياً.
وأرجعت المؤسسة ارتفاع الفاتورة إلى زيادة الأسعار العالمية وتكاليف النقل والشحن، إلى جانب نمو الاستهلاك المحلي.
وفي قراءة للتداعيات الاقتصادية، قال أستاذ الاقتصاد بالجامعة الليبية محمد الورفلي، ل«العربية.نت»، إن إصلاح منظومة دعم المحروقات «أصبح ضرورة اقتصادية»، بالنظر إلى الموارد المالية الضخمة التي تستهلكها، وما يرافقها من عمليات تهريب واستغلال لفارق الأسعار.
لكنه شدد على أن المشكلة لا تكمن في رفع الدعم بحد ذاته، بل في آلية تنفيذه والبدائل المقدمة للمواطنين.
وأوضح أن الانتقال إلى الدعم النقدي يتطلب ضمانات فعلية لوصول التعويضات إلى مستحقيها، على أن تتناسب قيمتها مع أسعار الوقود الجديدة، وتكون قابلة للمراجعة كلما ارتفعت تكاليف المعيشة.
البرلمان يوضح موقفه
وفي خضم الجدل، أصدر البرلمان الليبي بياناً، فجر السبت، أكد فيه أن دراسة التحول من الدعم السلعي إلى الدعم النقدي تندرج ضمن الخيارات الإصلاحية المطروحة، ولا تعني إلغاء الدعم أو استبداله بصورة فورية.
وشدد على أن حماية المواطنين وضمان استفادتهم العادلة من الموارد العامة تمثلان أولوية، مؤكداً عدم اتخاذ أي خطوة قبل استكمال الدراسات اللازمة وتوفير الضمانات المطلوبة.
كما ربط تنفيذ أي تحول في منظومة الدعم بالتأكد من جاهزية مؤسسات الدولة، بما يحفظ حقوق المواطنين ويحمي مستوياتهم المعيشية.
وبذلك، يبقى ملف دعم المحروقات مفتوحاً أمام نقاش اقتصادي واجتماعي واسع، بين الحاجة إلى الحد من الهدر والتهريب، والمخاوف من تحميل المواطنين أعباء إضافية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.



