*
الجمعة: 23 أكتوبر 2026
  • 23 أكتوبر 2026
  • 00:43
دون جراحة أو كيمياوي أمريكا تجيز علاجا مناعيا جديدا لسرطان المستقيم

خبرني - قد يتمكن بعض مرضى سرطان المستقيم من تجنب الجراحة والعلاج الكيمياوي والإشعاعي، بعدما أجازت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) استخدام دواء مناعي بمفرده لعلاج فئة محددة من المصابين بالمرض، في خطوة قد تغير الطريقة التي يتعامل بها الأطباء مع بعض أورام المستقيم، وتتيح للمرضى الاحتفاظ بأعضائهم ووظائفها الطبيعية.

وجاءت الموافقة الأمريكية المعجلة، في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعدما أظهرت تجربة سريرية دولية أن 71% من المشاركين لم يحتاجوا إلى جراحة أو علاجات إضافية، ولم يتقدم السرطان لديهم حتى موعد تحليل النتائج، بعد تلقي دواء "دوستارليماب" (Dostarlimab)، المعروف تجاريا باسم "جيمبرلي" (Jemperli).

أهمية هذا التطور لا تكمن في السيطرة على الورم فحسب، بل في إمكانية تجنيب بعض المرضى العواقب التي قد تترتب على العلاجات التقليدية، ومنها اضطرابات التبرز والتبول والوظائف الجنسية، وفقدان الخصوبة، والحاجة أحيانا إلى تركيب كيس دائم لجمع الفضلات.

لكن هذا الخيار العلاجي لا يناسب جميع المصابين بسرطان المستقيم، إذ يقتصر على أورام تحمل خصائص جزيئية محددة تجعلها أكثر استجابة للعلاج المناعي، كما أن استمرار النتائج على المدى الطويل لا يزال قيد الدراسة.

من الجراحة إلى العلاج المناعي

يعتمد علاج سرطان المستقيم المتقدم موضعيا في كثير من الحالات على مجموعة من التدخلات تشمل العلاج الكيمياوي والإشعاعي والجراحة، بهدف القضاء على الخلايا السرطانية ومنع عودة المرض.

ورغم فعالية هذه الأساليب، فإن موقع المستقيم داخل الحوض يجعل بعض التدخلات الجراحية والإشعاعية مرتبطة بمضاعفات قد تؤثر في نوعية حياة المريض سنوات طويلة، حتى بعد نجاح العلاج في السيطرة على السرطان.


وتزداد أهمية هذه المشكلة لدى المرضى الأصغر سنا، الذين قد يواجهون آثارا طويلة الأمد تتعلق بالخصوبة أو التحكم في الإخراج أو الوظائف الجنسية.

ومن هنا جاءت فكرة استخدام جهاز المناعة نفسه لمهاجمة الورم بدلا من الاعتماد على الجراحة والعلاجات التقليدية.

وبحسب الإعلان الرسمي لهيئة الغذاء والدواء الأمريكية، تشمل الموافقة الجديدة البالغين المصابين بسرطان المستقيم المتقدم موضعيا في المرحلتين الثانية والثالثة، ممن لم يتلقوا علاجا سابقا للمرض، وتظهر أورامهم خللا في نظام إصلاح الحمض النووي أو ارتفاعا في عدم استقرار السواتل الدقيقة.

وتعني هاتان الحالتان، المعروفتان اختصارا بـ"dMMR" و"MSI-H"، أن الخلايا السرطانية تعجز عن إصلاح بعض الأخطاء التي تحدث أثناء نسخ مادتها الوراثية، مما يؤدي إلى تراكم تغيرات تجعل الورم أكثر قابلية للتعرف عليه من الجهاز المناعي.


كيف يعمل الدواء؟
ينتمي "دوستارليماب" إلى فئة من الأدوية تسمى مثبطات نقاط التفتيش المناعية، وهي علاجات تساعد الجهاز المناعي على التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وتستطيع بعض الأورام استخدام إشارات جزيئية لتعطيل نشاط الخلايا المناعية التي يُفترض أن تتصدى لها.

ويعمل الدواء على تعطيل بروتين يسمى "بي دي-1" (PD-1) موجود على سطح بعض الخلايا المناعية، مما يرفع أحد الحواجز التي تحد من قدرتها على مهاجمة السرطان.

ويكتسب هذا الأسلوب أهمية خاصة لدى الأورام التي تعاني خللا في إصلاح الحمض النووي، لأن التغيرات المتراكمة داخل خلاياها قد تجعلها أكثر وضوحا للجهاز المناعي.

لكن هذه الخصائص ليست شائعة بين جميع مرضى سرطان المستقيم؛ إذ تشير تقديرات استشهدت بها الهيئة الأمريكية إلى وجودها لدى نحو 3% من حالات سرطان المستقيم المتقدم موضعيا.

وهذا يعني أن تحديد المرضى المؤهلين للعلاج يعتمد على فحوص جزيئية لأنسجة الورم، وليس على عمر المريض أو حجم الورم وحدهما.

ماذا كشفت التجربة السريرية؟
استند قرار الهيئة الأمريكية بصورة رئيسية إلى نتائج تجربة دولية من المرحلة الثانية تحمل اسم "أزور-1" (AZUR-1)، شملت 154 مريضا مصابا بسرطان المستقيم المتقدم موضعيا، ممن تحمل أورامهم الخصائص الجزيئية المستهدفة.

وتلقى المشاركون جرعة مقدارها 500 ملليغرام من "دوستارليماب" عن طريق الوريد كل 3 أسابيع، بحد أقصى 9 جرعات على مدار نحو 6 أشهر.

وخضع المرضى لتقييمات متكررة باستخدام المنظار والتصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي المحوسب، لتحديد مدى استجابة الأورام للعلاج.

وبعد فترة متابعة وسيطة بلغت 26.3 شهرا، أظهرت البيانات التي نشرتها هيئة الغذاء والدواء أن 110 مرضى، يمثلون 71% من المشاركين، لم يحتاجوا إلى أي علاج إضافي، ولم يسجل لديهم تقدم في المرض حتى موعد تحليل البيانات.

وفي المقابل، خضع 26 مريضا للجراحة، مع تلقي بعضهم علاجات إضافية، بينما احتاج 13 مريضا آخر إلى علاج دوائي أو إشعاعي إضافي دون جراحة.

أما عند تقييم الاستجابة السريرية الكاملة المستمرة مدة 12 شهرا، فقد بلغت النسبة 47% من المرضى القابلين للتقييم وفق مراجعة مستقلة، مقابل 68% وفق تقييم الباحثين القائمين على الدراسة.


ويشير مصطلح "الاستجابة السريرية الكاملة" إلى عدم العثور على علامات قابلة للكشف تدل على وجود الورم باستخدام الفحوص المعتمدة، لكنه لا يعني بالضرورة التأكد من القضاء على جميع الخلايا السرطانية أو استحالة عودة المرض.

وكان بعض المشاركين قد حققوا استجابة كاملة بالفعل، لكنهم لم يستكملوا بعد فترة المتابعة المطلوبة البالغة عاما عند إغلاق قاعدة البيانات، وهو ما يؤثر في حساب نسبة الاستجابة المستمرة.


نتائج غير مسبوقة في دراسة سابقة
لم تبدأ قصة هذا العلاج مع الموافقة الأمريكية الجديدة. ففي عام 2022، كشف باحثون من مركز "ميموريال سلون كيترينغ" لعلاج السرطان في نيويورك عن نتائج أولية لدواء "دوستارليماب" أظهرت اختفاء العلامات القابلة للكشف لسرطان المستقيم لدى جميع المرضى الذين أكملوا العلاج في المجموعة الأولى من تجربة صغيرة.

ثم نُشرت نتائج موسعة في دورية نيو إنغلاند الطبية في أبريل/نيسان 2025، وأظهرت تحقيق استجابة سريرية كاملة لدى جميع المرضى الـ49 الذين أكملوا العلاج في مجموعة سرطان المستقيم، دون الحاجة إلى إجراء جراحات لاستئصال أورامهم.

واستندت الهيئة الأمريكية أيضا إلى بيانات محدثة من هذه الدراسة شملت 50 مريضا، وأظهرت استمرار الاستجابة السريرية الكاملة لمدة عام لدى 93% من المرضى القابلين للتقييم.

ومن بين 27 مريضا استمرت متابعتهم 3 سنوات على الأقل، سُجلت حالة عودة موضعية واحدة للمرض، عولجت باستئصال عقدة ليمفاوية.

وتعزز هذه النتائج احتمال أن يصبح العلاج المناعي وحده خيارا لبعض المرضى، لكنها تكشف أيضا أهمية المتابعة المستمرة، حتى عندما يبدو الورم قد اختفى كليا.

5 سنوات دون عودة السرطان
تجسد تجربة الأمريكية ساشا روث (Sascha Roth) الأثر الذي قد يحدثه هذا العلاج في حياة المرضى. كانت روث تبلغ 38 عاما عندما شُخصت بسرطان المستقيم، وتوجهت إلى مركز ميموريال سلون كيترينغ للحصول على رأي طبي ثان، قبل أن تنضم إلى التجربة السريرية للعلاج المناعي.

وبعد 6 أشهر من تلقي "دوستارليماب"، أبلغها الفريق الطبي بأن الفحوص لم تعد تظهر أي علامات للورم. وبحسب تقرير نشره المركز الطبي في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026 فقد تجاوزت روث 5 سنوات منذ انتهاء العلاج دون رصد عودة السرطان، وتمكنت من مواصلة حياتها وعملها دون الخضوع للعلاجات التقليدية التي كانت تستعد لتلقيها.

ولا تمثل تجربتها دليلا على أن الدواء يحقق النتيجة نفسها لدى جميع المرضى، لكنها توضح القيمة التي قد يحملها الحفاظ على المستقيم ووظائف الجسم الطبيعية، إلى جانب السيطرة على المرض.

وتشير أندريا سيرتشيك (Andrea Cercek)، اختصاصية الأورام في مركز ميموريال سلون كيترينغ والباحثة الرئيسية في التجربة، إلى أن هدف العلاج لا يقتصر على إنقاذ حياة المريض، بل يشمل أيضا الحد من التأثيرات الدائمة التي قد تتركها الجراحة والعلاج الكيميائي والإشعاعي.

وقد استطاعت بعض المشاركات في الدراسات الإنجاب بعد العلاج المناعي، بعدما كان من المحتمل أن تؤثر العلاجات التقليدية في قدرتهن على الإنجاب.


هل انتهت الحاجة إلى الجراحة؟
رغم النتائج الواعدة، لا تعني الموافقة الجديدة أن الجراحة أصبحت غير ضرورية لجميع مرضى سرطان المستقيم. فبعض الأورام لا تستجيب للعلاج المناعي استجابة كاملة، وقد يحتاج أصحابها إلى الجراحة أو العلاج الكيمياوي أو الإشعاعي، كما قد يعود السرطان لدى بعض المرضى بعد اختفاء علاماته الأولية.

ومن النتائج اللافتة في تجربة "أزور-1" أن فحص الأنسجة بعد الجراحة أظهر اختفاء الخلايا السرطانية لدى 12 مريضا من أصل 15 خضعوا للجراحة بعد تلقي الدواء وحده، بعدما أشارت الفحوص التصويرية إلى احتمال عدم اكتمال استجابتهم.


وتوضح هذه النتيجة أحد التحديات التي تواجه الأطباء، وهو التمييز بدقة بين الورم المتبقي والتغيرات التي يتركها العلاج في الأنسجة، لتجنب الجراحات غير الضرورية دون المخاطرة بترك سرطان نشط.

ولهذا تعتمد خطة الاستغناء عن الجراحة على المتابعة المكثفة، وليس على التوقف عن العلاج والفحوص بمجرد تحسن الحالة.

وفي التجربة الرئيسية، خضع المرضى الذين حققوا استجابة كاملة لفحوص متابعة دورية كل 4 أشهر خلال العامين الأولين، ثم كل 6 أشهر بعد ذلك.

ماذا عن الآثار الجانبية؟
لا يخلو العلاج المناعي من الأخطار، رغم إمكانية تجنب بعض المضاعفات المرتبطة بالجراحة والعلاج الإشعاعي والكيمياوي.

فقد يؤدي تنشيط الجهاز المناعي إلى مهاجمة أنسجة سليمة في الجسم، مما قد يسبب التهابات أو مضاعفات تصيب أعضاء مختلفة، وقد تكون خطيرة في بعض الحالات.

ووفق البيانات التي أعلنتها شركة "غلاكسو سميث كلاين" (GSK)، المصنعة للدواء، سجلت التجربة الرئيسية آثارا جانبية خطيرة لدى 20% من المرضى.

وكانت الأعراض الأكثر شيوعا التعب لدى 32% من المشاركين، والطفح الجلدي لدى 22%، والإسهال لدى 18%، والحكة لدى 17%. كما اضطر 3% من المرضى إلى إيقاف العلاج نهائيا بسبب آثاره الجانبية.

وتؤكد هذه النتائج ضرورة إعطاء الدواء تحت إشراف طبي متخصص، ومراقبة المضاعفات المحتملة طوال فترة العلاج.

سرطان يزداد بين الشباب
يأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه المخاوف من ارتفاع معدلات سرطان القولون والمستقيم بين البالغين الأصغر سنا.

وبحسب تقرير الجمعية الأمريكية للسرطان لعام 2026، يُتوقع تسجيل نحو 158 ألفا و850 إصابة جديدة بسرطان القولون والمستقيم في الولايات المتحدة خلال العام، إلى جانب نحو 55 ألفا و230 وفاة. ومن بين الإصابات المتوقعة، هناك نحو 49 ألفا و990 حالة سرطان في المستقيم تحديدا.

وتشير بيانات الجمعية إلى ارتفاع الإصابة بسرطان القولون والمستقيم بنحو 3% سنويا بين الفئة العمرية الواقعة بين 20 و49 عاما فيما بين 2013 و2022، مقابل انخفاضها لدى المسنين.

وأصبح سرطان القولون والمستقيم مجتمعين السبب الأول للوفيات المرتبطة بالسرطان بين الأمريكيين دون سن الخمسين، وهو ما يمنح التطورات العلاجية التي تحافظ على الخصوبة ووظائف الجسم أهمية إضافية.

ماذا بعد الموافقة المعجلة؟
رغم أن "دوستارليماب" ليس دواء جديدا كليا، إذ سبق استخدامه في علاج أنواع أخرى من السرطان، فإن القرار الأمريكي يمثل أول موافقة على علاج مناعي بمفرده لهذه الفئة المحددة من مرضى سرطان المستقيم في المرحلتين الثانية والثالثة.

لكن الموافقة جاءت عبر المسار المعجل، الذي يسمح بإتاحة بعض العلاجات الواعدة اعتمادا على مؤشرات مبكرة للفائدة السريرية، مع اشتراط استمرار الدراسات لتأكيد فعاليتها على المدى الطويل.

كما أن التجارب التي استند إليها القرار كانت من المرحلة الثانية، ولم تتضمن مجموعات مقارنة عشوائية تلقت العلاجات التقليدية، وهو ما يفرض الحذر عند استخلاص نتائج تتعلق بمعدلات الشفاء النهائية أو البقاء على قيد الحياة.

وتبقى الخطوة الأولى أمام المرضى المؤهلين هي إجراء الفحوص اللازمة لتحديد الخصائص الجزيئية للورم، ثم مناقشة خيارات العلاج مع فريق متخصص في أورام الجهاز الهضمي.

وبذلك قد لا يكون السؤال المطروح أمام بعض مرضى سرطان المستقيم مستقبلا هو كيفية استئصال الورم فحسب، بل ما إذا كان بالإمكان القضاء على علاماته بالعلاج المناعي، مع الحفاظ على العضو ووظائفه الطبيعية، ودون التضحية بفرص السيطرة على المرض.

مواضيع قد تعجبك