*
الجمعة: 04 نيسان 2025
  • 02 نيسان 2025
  • 17:22
المقاومة: من الخيار الصعب إلى الطريق نحو الحرية
الكاتب: المحامي الدكتور ربيع العمور

خبرني - لطالما كان النقاش حول المقاومة، سواء كانت سياسية أو عسكرية، محط جدل واسع بين مؤيد ومعارض. ففي الوقت الذي يرى البعض أن المقاومة هي الخيار الوحيد المتاح للشعوب التي تعيش تحت الاحتلال، يراها آخرون كخيار قد لا يؤدي إلى النتائج المرجوة ويشبع المنطقة بالمزيد من المعاناة. لكن من المهم النظر إلى الواقع بعيدًا عن الأحكام المطلقة: المقاومة ليست مجرد رد فعل عاطفي أو عبثي، بل هي استراتيجية جاءت نتيجةً لواقع مرير من القمع والاحتلال المستمر لعقود.

مراحل الصراع في مختلف أنحاء العالم أثبتت أن الاحتلال لا يتراجع عن ممارساته إلا عندما يدرك أن كلفة استمراره أكبر من كلفة رحيله. هنا تكمن المفارقة: الاحتلال يسعى للبقاء مهما كانت التضحيات البشرية، والمقاومة تصبح أداة للضغط عليه حتى يعي أن مستقبله في هذه الأراضي يصبح مهددًا. فما الذي يجعل المقاومة خيارًا مشروعًا رغم تكلفتها الباهظة؟ وهل تراجع الاحتلال في التاريخ كان نتيجةً للضغط الشعبي فقط، أم أن هناك دروسًا يجب أن نتعلمها من تجارب الشعوب الأخرى؟

المقاومة كإجابة ضرورية على الاحتلال

المقاومة ليست وليدة اللحظة ولا هي خيارًا عبثيًا. تاريخ المقاومة في مختلف أنحاء العالم مليء بالأمثلة التي تُظهر أن الاستعمار لا يرحل أو يتراجع إلا تحت الضغط الشعبي المكثف، سواء كان هذا الضغط سياسيًا أو عسكريًا أو حتى اجتماعيًا. في حالات عديدة، رفض المحتلون الاستجابة للضغوط السلمية، الأمر الذي دفع الشعوب إلى تبني أساليب أكثر صرامة في المقاومة.

على سبيل المثال، في فلسطين، بدأت المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في أوقات مبكرة من القرن العشرين، وكان رد الفعل على السياسات الاستيطانية والاستعمارية التي مارسها الاحتلال البريطاني ثم الاحتلال الإسرائيلي. جُرّبت عدة أساليب، بما في ذلك المفاوضات مع المحتلين والتهدئة، لكن النتائج كانت دائمًا واحدة: استمرار الاحتلال والاستيطان، مما دفع فصائل المقاومة الفلسطينية إلى اتخاذ نهج أكثر تصعيدًا، مما أصبح فيما بعد جزءًا من الكفاح المسلح ضد الاحتلال.

تجارب تاريخية: الجزائر وجنوب إفريقيا

لنأخذ مثالين تاريخيين آخرين لشرح كيف أن المقاومة كانت هي الخيار الذي ساهم في نيل الاستقلال. في الجزائر، على سبيل المثال، بدأت حرب التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي في عام 1954. النظام الاستعماري الفرنسي كان يعتقد أن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا، وكان يتعامل مع الجزائريين كما لو أنهم أقل شأناً. جُرّبت الطرق السلمية من خلال المفاوضات ولكن سرعان ما فشلت هذه المحاولات. وعندما أدركت القيادة الجزائرية أن الاحتلال الفرنسي لن يرحل إلا تحت ضغط المقاومة المسلحة، بدأت الثورة الجزائرية التي استمرت لمدة 8 سنوات، حتى استطاعت الجزائر في النهاية نيل استقلالها في عام 1962 بعد خسائر بشرية ومادية كبيرة.

وفي جنوب أفريقيا، لم يتراجع نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) إلا عندما ضغطت المقاومة المسلحة والضغوط الدولية على النظام العنصري. طوال عقود من الزمن، قاوم الشعب الجنوب إفريقي بقيادة "المؤتمر الوطني الأفريقي" (ANC) و"اتحاد النقابات" سياسات الأبارتهايد السلبية، متبنيًا مختلف الأساليب من العصيان المدني إلى العمليات المسلحة. لكن النظام العنصري كان يستمر في قمع الشعب بوحشية. ولولا الصمود والمقاومة، لما تحقق التحرير الذي تم في عام 1994.

المقاومة ليست من دون ثمن

لا أحد ينكر أن المقاومة تتطلب تضحيات، وأن هناك معاناة جمة تصاحبها. لكن يجب أن ندرك أن هذه المعاناة ليست فقط نتيجة اختيار المقاومة، بل هي نتيجة مباشرة للاحتلال نفسه. لو كان الاحتلال قد تراجع أو وافق على الحلول السلمية في أي وقت مضى، لما كان من الضروري للمجتمع المحلي أن يلجأ إلى السلاح أو الأساليب العنيفة.

في حالة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، على سبيل المثال، تُظهر العديد من الدراسات والمواقف الدولية أن الاحتلال لم يتوقف عن ممارساته العدوانية أو توسع الاستيطان إلا بعد أن تفجرت مقاومة مسلحة عنيفة. ففي الحرب الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، كان هناك ضغط داخلي وعالمي يهدف إلى وقف العدوان، لكن الاحتلال كان يراهن على التهدئة لتصفية القضية الفلسطينية. في السنوات الأخيرة، مع تصاعد الانتفاضات وظهور حركات المقاومة المسلحة، بدأت الكلفة الاستراتيجية والاقتصادية للاحتلال في الزيادة.

هل المقاومة غير قابلة للتعلم؟

من بين الانتقادات التي توجه للمقاومة، هو الاعتقاد بأنها لا تتعلم من التاريخ أو أنها تعتمد على الأساليب نفسها دون تطور. في هذا السياق، قد يكون من المفيد أن نعيد النظر في مفهوم المقاومة. فالمقاومة، من منظور تاريخي، ليست ثابتة بل تتغير وتتطور وفقًا للظروف. وفي كل مرحلة، كانت المقاومة تأخذ شكلًا جديدًا يتناسب مع الوقائع الجديدة.

على سبيل المثال، في فلسطين، نشأت حركات المقاومة المسلحة بعد سلسلة من الإخفاقات في التفاوض مع الاحتلال. وبعد ذلك، تم تبني أساليب متنوعة، من المقاومة الشعبية إلى العمليات العسكرية المحدودة، وأصبح الاهتمام منصبًا على استراتيجيات جديدة مثل المقاومة الرقمية والإعلامية. لذلك، يمكن القول إن المقاومة تتعلم وتتكيف مع الظروف المتغيرة، ولكنها تبقى بحاجة إلى دعم خارجي حتى تحقق أهدافها في الاستقلال والتحرر.

 هل من طريق آخر؟

في النهاية، يظل السؤال الأهم: هل هناك طريق آخر غير المقاومة يمكن أن يؤدي إلى إنهاء الاحتلال؟ الواقع التاريخي يعطينا إجابة واضحة؛ الاحتلال لا يتراجع طواعية، بل بعد أن يدرك أن استمراره في السيطرة على الأراضي المحتلة سيؤدي إلى تكاليف أكبر. من هنا، فإن المقاومة هي إحدى أدوات الضغط التي يمكن أن تحقق التغيير. وبينما لا ينبغي أن نغفل أهمية التفاوض والطرق السلمية، يبقى أن الاحتلال هو السبب الجذري للمعاناة، وليس المقاومة.

المهم في هذا الأمر هو أن نتعامل مع المقاومة كحق مشروع، لا كخيار مريح، بل كأداة من أدوات النضال ضد الظلم والاحتلال، التي قد تكون السبيل الوحيد في الكثير من الحالات لتحقيق العدالة والحرية.

مواضيع قد تعجبك