يسعى رئيس الوزراء، د. جعفر حسّان، إلى تكريس تقاليد ومفاهيم جديدة في المسؤولية الاجتماعية والدور الوطني للقطاع الخاص والشركات ورأس المال في السياسات الأردنية، من خلال تقديم هذا القطاع نسبة من الأرباح لدعم المشروعات الاقتصادية والخدماتية الكبرى، وتشير أوساط الرئيس إلى أنّ المبلغ الذي توافر إلى الآن يكاد يصل إلى 130 مليون ديناراً أردنياً لمدة ثلاثة أعوام، وهو مرشّح للارتفاع وسيخصص لمشروعات اقتصادية وخدماتية كبرى.
كان المتبرّع الأكبر إلى الآن هي جمعية البنوك إذ بادرت إلى التبرّع بمبلغ 90 مليون ديناراً لمدة ثلاثة أعوام لمشروعات متعلقة بالصحة والتعليم، كما تبرّعت مؤسسات وطنية كبرى وشركات كبيرة بملايين الدنانير دعماً للخزينة الأردنية، في محاولة أيضاً لردم الفجوة التي نشأت عن انخفاض نسبة الدعم الأميركي ووكالة التنمية الدولية الأميركية، فبالرغم من عودة العديد من المساعدات المالية المخصصة لمشروعات في البنية التحتية، مثل الناقل البحري، إلاّ أنّ هنالك مجالات أخرى ليست واضحة بعد.
وبغض الطرف عن المساعدات الأميركية فمن المفترض أنّ مثل هذا التعاون والدور من قبل القطاع الخاص هو ركن أساسي في بناء قواعد العلاقات السياسية والاجتماعية في البلاد، ليس فقط لما يكن أن يقدّمه من أموال تساعد فعلاً في مجالات مهمة وحيوية، تعليمياً وصحيّاً وخدماتياً. هذا لا يعني أنّ القطاع الخاص والشركات الكبرى لم تكن تساهم سابقاً في العديد من الجوانب التنموية والإنسانية والخدماتية، لكن تلك المساهمة اتسمت سابقاً بالطابع العشوائي المزاجي والفردي، لكن عندما توضع ضمن حزمة كبيرة وتتجمع ويكون هنالك تصورات واضحة للأولويات والمشروعات التي من الممكن أن تخدمها فإنّ تأثيرها سيكون أكبر بكثير.
لا نبالغ إن اعتبرنا أنّ تكريس مثل هذه التقاليد على درجة كبيرة من الأهمية ليس فقط اقتصادياً، بل أيضاً لترسيم علاقة صحيّة مبنية على التكافل والتعاضد الوطني الداخلي، وذلك جزء لا يتجزأ مما يسمى بـ»رأس المال الاجتماعي»، وقيمته لا تقل عن الجانب المالي، فهو أولاً يعزز شعور القطاع الخاص وأصحاب رؤوس الأموال والشركات بواجباتها الوطنية والاجتماعية والأخلاقية، ويجذّر شعورها بأنّها جزء من هذا النسيج، وهو من الجهة المقابلة يُشعر غالبية المواطنين بقيمة القطاع الخاص وأهمية في التنمية الوطنية، ويخفف من المشاعر لدى الشريحة الفقيرة أو حتى الوسطى الدنيا بالفجوة الطبقية، ويساهم في بناء جبهة داخلية وطنية أكثر صلابة.
يرى أحد أبرز المنظّرين السياسيين اليوم، فرانسيس فوكوياما، أنّ الجوانب الاقتصادية لا تنفصل عن الجوانب الثقافية والاجتماعية والسياسية، وفي كتابه الرائع بعنوان «الثقة: الفضائل الاجتماعية ودورها في خلق الرفاه الاجتماعي»، (Trust: The Social Virtues and the Creation of Prosperity) الذي يتناول فيه الثقافات المحلية ودورها في تطوير وتعزيز التنمية الاقتصادية، وأهمية القيم الاجتماعية في لحظات الأزمات الوطنية والاقتصادية، مع ضرب أمثلة مهمة من العديد من دول العالم، أميركا واليابان وألمانيا عن دور الشركات الثرية والقطاع الصناعي في الوقوف مع الدولة ودعم الطبقات الفقيرة والاقتصاد الوطني في المنعرجات المهمة.
أحد المجالات المهمة التي يتحدث عنها فوكوياما (بالمناسبة يذكرنا بالكتاب الشهير لماكس فيبر الأخلاق البروتستانتية والثورة الرأسمالية، بل كثير من أعمال فيبر التي تربط الجوانب الثقافية والأخلاقية بالنهضة الاقتصادية) هي التأثيرات الكبيرة للجوانب الثقافية وما تتضمنه من قيم وأخلاقيات على الجانب الاقتصادي والتكافل الوطني، وحتى ضمن التنافسية الاقتصادية، وفي تشجيع وتعزيز الصناعة الوطنية، بدون قوانين أو أنظمة، كما هي الحال في اليابان مثلاً.
مثل هذه الجوانب المهمة والرئيسية ربما لم نعطها اهتماماً كافياً، أردنيّاً، خلال المراحل السابقة، لكن آن الآوان أن نفكر فيها نهتم بها، بخاصة في الحقبة الراهنة مع بزوغ إرهاصات حروب اقتصادية وتجارية عالمية، قد لا تؤثر علينا حالياً لكن ستكون لها أثار قادمة بالضرورة، مما يعني أنّنا بحاجة إلى منظور جديد للاقتصاد والتنمية ودور القطاع الخاص، وما نأمله أن تكون أفكار الرئيس حسّان بتكريس تقاليد جديدة مقدمة لهذا التحول المهم.