
السياسة "التدخلية" هي مفهوم أو مقولة تدل على تدخل السلطات العامة في النشاط الاقتصادي والحياة الاجتماعية، بقصد توفير العدالة الاجتماعية بين المواطنين وتيسير النشاط الاقتصادي ، بما يوفر القوة الاقتصادية للدولة والرفاهية للمواطنين.
من هنا ، فالتدخلية ليست وضعاً أو "نظاما" وسطاً بين الرأسمالية (التدخلية) التي تقّر حرية النشاط الخاص، وبين الاشتراكية التي تقيّد الملكية الخاصة لرؤوس الأموال؛ بل هي بابسط صورة تعبير عن رغبة الدولة بضبط العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين مكونات المجتمع لتحقيق أكبر انسجام ممكن بينهم، وتقليل ما أمكن من صراع وتصادم، بما يوفر للمجتمع –بالختام- نمواً متصاعداً وقوة متزايدة.
وفي بلد صغير بموارده الاقتصادية مثل الاردن ويعتمد على المساعدات الخارجية والضرائب والرسوم ، يقوم صانع القرار والحكومات المتعاقبة بالتدخل المباشر والممنهج في ادارة الاقتصاد الاردني الذي قد يكون اصعب من ادارة اي اقتصاد عالمي آخر –حسب رأي بعض الخبراء الاردنيين- لان تركيبته غريبة، وقد لا تجد لها مثيلاً في اي بلد في العالم !!
فلا يوجد في العالم بلد تنفق حكومته على الاستهلاك (107.7%) من ناتجه المحلي الاجمالي الا الاردن!! ومع ذلك تحصل فيه استثمارات تزيد قيمتها عن (27.6%) من النتاتج المحلي الاجمالي، أي انه يتصرف بما يعادل (135.3%) من الناتج المحلي الاجمالي !! وهل يوجد بلد يسمح لنفسه باستيراد سلع وخدمات تعادل قيمتها (87.1%) من الناتج المحلي العام ، في حين لا يصدَّر سوى مايقارب (51.8%) منه !! .
ورغم ان أساس اي اقتصاد وطني ان تعتمد خزينته على جملة متنوعة من مصادر الدخل وزيادة قوة القطاع الخاص واستثمار اقصى امكانيات وموارد البلد وثرواته وسياحته واستثمارات داخلية وخارجية ونسبة معية من الايرادات الضريبية بهدف تعزيز الاستقرار المالي للدولة ، إلا أن الاردن يختلف عن تلك القاعدة بشكل كبير، حيث تعتمد على الحكومات المتعاقبة على الضرائب والرسوم والمساعدات الخارجية في حالة غريبة للغاية قد تحدث سوى في الاردن !!
ويقول احد الخبراء في الاقتصاد الاردني تعليقا على آليات ادارة وتدخل الحكومة للاقتصاد الأردني "الاردن بلد يعاني من عجز في الموازنة العامة للدولة كل عام، وعجز في ميزان الانتاج والاستهلاك، وعجز في تمويل الاستثمارات من المدخرات المحلية، وعجز في ميزان السلع، وعجز في ميزان الخدمات، ومع ذلك ارتفاع في احتياطي البنك المركزي من العملات الاجنبية!!، واستقرار او انخفاض في مستوى المديونية الخارجية، كيف يمكن ان يحصل كل هذا؟" ، انها معجزة لا تنفع في حل طلاسمها قراءة كتب الاقتصاد، لان الاقتصاديين لم يخطر ببالهم مثل هذا النموذج فاما ان القائمين على ادارة الاقتصاد في الاردن عباقرة، او ان علم الاقتصاد بحاجة للتعديل !! .
وبلغ العجز في مديونية الاردن عام 2009م ما يزيد على المليار، وهو عجز مذهل رفع دين الأردن المتراكم إلى ما يزيد عن 13 مليار دولار رغم ان موازنة الاردن لعام 2010م لم تتجاوز نصف المبلغ اعلاه، وهو كم هائل من المديونية يثقل كاهل دولة كبيرة، فما بالك بدولة صغيرة محدودية الإمكانيات!
وقبل اسبوع -18/7/2010م- صدر تقرير صندوق النقد الدولي الذي يدعو الحكومة الحالية الى فرض المزيد من الضرائب والرسوم واعفاء ما تبقى من سلع مدعومة لسد عجز موازنة الدولة على حساب الطبقة الفقيرة والمعدومة والتي بالكاد تستطيع اليوم التكيّف مع سلسلة الضرائب والرسوم وتحرير المشتقات النفطية منذ عامين ، وقد حذر خبراء ومحللون من الاستماع الى توصيات الصندوق الدولي لان هذه المؤسسة الدولية ، التي تسببت في افقار اغلب شعوب العالم الثالث ودمرت اقتصايات الكثير من الدول باسم القروض والمنح المالية ، لم تأخذ بعين الاعتبار تبعات التوصيات على الصعيدين الاجتماعي والأمني، ولا يهمها على الاطلاق انعكساسات فرض المزيد من الضرائب على شبكة الامان الاجتماعي وازدياد الفقر والبطالة ، سيما وان هذه التوصيات سترفع نسبة الفقر الى اكثر من 15% ما يضيف طبقات جديدة من الفقراء في المجتمع .
وتقرير الصندوق وتوصياته التي قد تأخذ صفقة الالزامية في معظم الاحيان هي بمثابة الكرة الاخيرة التي قد تقذفها الحكومة في مرمى الشعب قبل نهاية هذا العام ، فلم يعد لديها ما تخشاه بعد ان اعتاد الشعب الاردني على تقبل المزيد من الضرائب كل فترة بحجة تسديد عجز ميزانية الدولة وتقليص اثار المديوينة المرتفعة ، كما أن الحكومة لم تعد تملك سوى سلاح الضرائب والرسوم وازالة الدعم عن السلع الرئيسية بحجة دعم الاقتصاد بعد توقف اغلب المنح والمساعدات الخارجية .
صحيح أن الحكومات الاردنية رفعت شعار اقتصاد السوق المفتوح والراسمالية التدرجية خلال العقدين الاخيرين تحديدا، ألا ان ذلك كان نظريا أكثر منه عمليا، فلم تؤسس قاعدة اقتصادية تمأسس لاقتصاد السوق ولم تقدم على فصل عرى تدخلها المستمر في ادارة الاقتصاد بكل جوانبه وتفاصيله ، بدليل أن قطاع النفط –على سبيل المثال لا الحصر- اقدمت الحكومة الاردنية قبل عامين ونصف على تحريره بالكامل على اساس نظام السوق المفتوح لكنها حتى اليوم ما زالت تحتكر هذا القطاع بالكامل ولا تسمح للقطاع الخاص بالعمل به وتقدم المحروقات النفطية للمواطنين وفقا للاسعار العالمية دون منافسة تذكر مع أي شركة نفطية أخرى أو باسعار تنافسية !!

