
ظاهرة أردنية, عز تكرارها منذ اغتياله رحمة الله عام 1971 حديث أردني الطابع ,جميل المعاني متجدد الفكر عن رجل عظيم ,لا يزال يسكن القلوب ,وتنتشي به الذكرى كلما نبتت على ارض الأردن شجرة ,رغم حداثة الأيام, وعولمة الحاضر, لم تستطع أن تجرف الذكرى إلى مواطن النسيان .كثر هم,من جاؤوا وذهبوا ,تقلدوا المناصب في الوزارات والمؤسسات, وملكوا زمام الأمر والسلطة ,كما دخلوا خرجوا,لا يذكرهم شيخ ولا شاب ,منسية سيرهم, لم تترك اثر, ولا عرفهم إلا من أراد منهم غاية تملق,لان من دخل قلوب الناس بقي مخلدا إلى الأزل .ومن عايش حاجات الناس وكان قريبا من نبضهم ,رُفع علماً, وسطّرت سيرته في تاريخ لا تنسى مآثره, ولا مكانته , تماما كما بقي وصفي التل في ذاكرة الشعب ,تتجدد ذكراه مع كل سنبلة قمح في حقول الأردن ,ليخرج وصفي التل متجددا مع إشعاع الشمس, ومع مواسم الزيتون في الشمال والجنوب, تتدفق الذكرى وتكبر الأرض وتتسع الآفاق عبر معاني الانتماء والوفاء والحس الأردني المتميز. كم أنا مميزة, وكم أنا أردنية, لأنني شهدت جزء من أيام وصفي..
رغم أن الذكرى خيالات في ذهن طفلة في التاسعة من العمر إلا أنها كانت سطور من تاريخ الأردن, انطبعت كشريط مسجل في الذاكرة, لتكبر معي يوم بيوم, وسنة بسنة,لأكون وطنيه أردنية اعشق تراب الوطن كوصفي ولأكون مخلصةً لوطني ,وصفية الفكر, أشبعها دروس في الوطنية لأبنائي وأحفادي ,لتبقى مدرسة العطاء الأردني متجذرةً في فكر وصفي التل. أبنائنا الذين فقدوا بوصلة الانتماء الوطني.في ظل تغيب السياسة الوطنية, والتركيز على جلب الأموال والاستثمارات على حساب المشاعر الإنسانية للمواطن, الذي يرزح تحب أعبائه المتجددة مع نهاية كل شهر وراتب, بعد أن أصبحت رائحة البترول والدولار تطغى على رائحة الأرض وتراب الوطن،حتى ضاقت علينا الأيام .وهي تحصد أحلام الشباب في العيش الكريم,أمام متطلبات الحياة المتجهة إلى الغلو بالأسعار والضرائب, الغير محكمة بارتفاعاتها,ليكون الحديث في الولاء والانتماء وإحكام العقل والتروي "مورفين" الوجع الأردني ,الذي يحتاج إلى قادة فيهم العزم والقدرة على الإقناع ,وأمثولة في الأخلاق ليكون الكلام مقنعاً وليكون الحدي متناغما ,وحتى لا تكون الكلمات مجرد خيالات حائمة فوق الرؤوس ,غير قادرة على الاستقرار فوق ارض الواقع. ماذا لو بقي وصفي بيننا؟ ليرى ما آلت إليه حالنا,ويرى حقول القمح الغربية, قد زرعت بالفلل والعمارات ,وأسوار عالية خلفها الملايين, التي لا يرى منها إلا الفتات في أطراف القرى ,وأراضي تباع بالسنتيمتر ورجال ما هم برجال .
إن رحيل العظماء عبر القدر رحمة لهم في أزمنة التردي ,وإبقاء على آثارهم , وبصمة عز وفخار ,لو علم الخونة ,أصحاب اليد العفنة الضاغطة على الزناد, أنهم فتحوا بخيانتهم وغدرهم ,سجلات التاريخ ليكتب اسم وصفي التل ,ليبقى فخراً لوطنه ولتبقى حروف اسمه ترعب الكثيرين ممن لا زالوا فوق الأرض وتزلزل قبور من ولوا من غير رجعة.
سنوات مرت علينا وعلى رحيل وصفي التل,كنت أتابع التلفاز في صالة بيتنا القديم في عمان ,وبفضول الأطفال سالت والدتي رحمها الله ,فأخبرتني عن وصفي التل وزيارته إلى الكرك ولقائه بالأهل هناك,لا زلت اذكر أنها زيارة شملت القرى في جنوب الكرك, الحسينية,المزار ،مؤتة وعي,أفواج كثيرة من الناس,واستقبال عز مثله لوزير أردني ,- فما حصل, ولن يحصل, أن يستقبل الناس وزرائهم وهم يحملون رشاشاتهم وبنادقهم , يطلقون أعيرة نارية في الهواء تكريما وفرحا ,إلا.. لوصفي التل,وفي الجنوب خاصة- تجمعت حول سيارته الجموع الغفيرة,تحفه الأهازيج الوطنية والزغاريد الكركية ,وحلقات السامر,وغناء الصبايا في ألهجيني والشروقي ,يحاولون الوصول إليه وقد خرج من سيارته بكل عفوية, ليكون قريبا منهم ,في تلك اللحظة,الممزوجة بالفرح والحذر, سمعت كلمات الوالدة وهي تقول:(هذا الرجل يحمل روحة على كفه) ,وكأنها كانت تتنبأ بنهايته التي كانت تنتظره على ارض ما حفظت أمان الضيف, وما منعت أيادي الغدر والخيانة,لتمتد إليه من سفلة القضية وشواذ العرب, كان خبر اغتياله ,عاصفة مزقت الوجد الأردني كافة ,من الشمال إلى الجنوب,حزن غطى القلوب واعتصر الألم ,على خيرة الرجال,تعزيهم مواكب الشهداء السابقة ومواكب الشهداء ألاحقة فوق تراب الأردن الغالي .
بحثنا عن راية سوداء نضعها فوق بيتنا ,حدادا وحزنا على فراق وصفي التل,فلم تجد والدتي إلا ( أردان مدرقتها المطرزة ) لتمزقها وتخيطها فوق سارية الحزن ,لتنصبها فوق سطح بيتنا ,لم نكن وحدنا في الحزن ,لقد اتشحت القلوب بالسواد, قبل البيوت ,كان حزنا على المصير, وعلى الأيام بدون وصفي التل, وعلى شعب قدم الكثير وفتح أبواب الأمان والاستقرار ,واقتصاديات ازدهرت فوق العاتق الأردني ,ليبقى وطن وصفي وطن الأردنيين الحاملين للذكرى ,والمعتنقين لفكر وصفي ,شيوخا عاصروه وعملوا تحت إشرافه ,وشعب حمل رايته,الى الأجيال قادمة ,فلا بد أن تبحث عن عظمائها ورجالاتها, ممن افتدوا هذه الأرض بأرواحهم ومهجهم ,وتميزت أفاق العز بسيرهم ووجودهم,ليتربع الشهيد وصفي التل في مجالس الشهداء برفقة هزاع المجالي وعبد الحميد شرف وآخرون, يقع على عاتق أبناءهم إعادة سيرهم ,وإظهار مناقبهم الوطنية, ليمتلأ سجل العز والفخار الأردني بأبنائه وشهدائه ,من كافة الميادين ,في القوات المسلحة وفي تقلد المناصب في العمل العام, ممن وضعوا كرامة الأردن والأردنيين هدفا لمسرتهم ,فرحلوا إلى الأبدية, يحملون وطنيتهم مشاعل تنير دروب الأوطان في القدوة والأمثولة ألحقه. رحم الله شهيد الأردن وصفي التل ورحم شهداء الأردن جميعا وعاش الأردن عزيزا كريما.


الشهيد وصفي الذي قدم روحه رخيصة في سبيل وطنه وقد دخل التاريخ الاردني من أوسع أبوابه وسيبقى ذكره محفورا في وجدان كل اردني ونقشا مطرزا في ذاكرة التاريخ الاردني
الرجال الرجال هم الذين يصنعون تاريخ وأمجاد أوطانهم أما الرجال الأنذال فانهم منبوذون وهم في مقابرهم في مزبلة التاريخ
صدقيني يا اخت سهام انه النسيان نعمة من الله