وصفي التل ..عبق تراب الارض
سهام البيايضة
شاب في مقتبل العمر,أردني الهوى والهوية ,سألني عن وصفي التل ,ليبدأ حديث الذكرى الممزوج بعبق تراب الأردن ,عن قصة عشق أردنية عاشها المرحوم وصفي التل فوق ربوع الوطن الغالي ,ليكتب اسمه فوق أشجار البلوط والصنوبر ,علامة أردنية الأصل والمنبت ,وليغرس اسمه خنجرا مسموم في قلوب أعداء الأردن والأردنيين. في عمر الطفولة كنت أرى أخباره على التلفاز بالأبيض والأسود.
 
ورغم صغر السن إلا أن الذكرى والإحساس بهذا الزعيم الأردني كانت حاضرة, وكأنها بالأمس.لم تنمح رغم السنين, ورغم تقلب الظروف والأحوال, فسّير العظماء تبقى حية في شعور الشعوب لا تضيع أبدا, ليبقى الشهيد وصفي التل أمثولة أردنية ,ومدرسةً في السياسة والفكر الأردني ,وأيدلوجية لها خصوصيتها ,في أوقات عجت الساحات بأيدلوجيات عديدة ومتنوعة تريد فرض نفسها على الواقع العربي دون استئذان ,وبما تقرره جموع المفكرين المستوردة أفكارهم,فتميزت أفكار وصفي التل بوضوح الرؤيا تجاه معالم النظام في الأردن.فكانت قيادته قريبة من الناس ,راسخة في عقول الاردنيين ، ممن مضوا ورحلوا ,ولا تزال قائمة مع الأيام, إلى الأجيال القادمة ,التي لا تلبث أن تسال عن وصفي لتضعه فوق أشهاد العز الأردني من جديد, يوم بعد يوم وبلا منازع,ليبقى بجسده المتحلل مع تراب الوطن الذي عشقه, .

ظاهرة أردنية, عز تكرارها منذ اغتياله رحمة الله عام 1971 حديث أردني الطابع ,جميل المعاني متجدد الفكر عن رجل عظيم ,لا يزال يسكن القلوب ,وتنتشي به الذكرى كلما نبتت على ارض الأردن شجرة ,رغم حداثة الأيام, وعولمة الحاضر, لم تستطع أن تجرف الذكرى إلى مواطن النسيان .كثر هم,من جاؤوا وذهبوا ,تقلدوا المناصب في الوزارات والمؤسسات, وملكوا زمام الأمر والسلطة ,كما دخلوا خرجوا,لا يذكرهم شيخ ولا شاب ,منسية سيرهم, لم تترك اثر, ولا عرفهم إلا من أراد منهم غاية تملق,لان من دخل قلوب الناس بقي مخلدا إلى الأزل .ومن عايش حاجات الناس وكان قريبا من نبضهم ,رُفع علماً, وسطّرت سيرته في تاريخ لا تنسى مآثره, ولا مكانته , تماما كما بقي وصفي التل في ذاكرة الشعب ,تتجدد ذكراه مع كل سنبلة قمح في حقول الأردن ,ليخرج وصفي التل متجددا مع إشعاع الشمس, ومع مواسم الزيتون في الشمال والجنوب, تتدفق الذكرى وتكبر الأرض وتتسع الآفاق عبر معاني الانتماء والوفاء والحس الأردني المتميز. كم أنا مميزة, وكم أنا أردنية, لأنني شهدت جزء من أيام وصفي..

رغم أن الذكرى خيالات في ذهن طفلة في التاسعة من العمر إلا أنها كانت سطور من تاريخ الأردن, انطبعت كشريط مسجل في الذاكرة, لتكبر معي يوم بيوم, وسنة بسنة,لأكون وطنيه أردنية اعشق تراب الوطن كوصفي ولأكون مخلصةً لوطني ,وصفية الفكر, أشبعها دروس في الوطنية لأبنائي وأحفادي ,لتبقى مدرسة العطاء الأردني متجذرةً في فكر وصفي التل. أبنائنا الذين فقدوا بوصلة الانتماء الوطني.في ظل تغيب السياسة الوطنية, والتركيز على جلب الأموال والاستثمارات على حساب المشاعر الإنسانية للمواطن, الذي يرزح تحب أعبائه المتجددة مع نهاية كل شهر وراتب, بعد أن أصبحت رائحة البترول والدولار تطغى على رائحة الأرض وتراب الوطن،حتى ضاقت علينا الأيام .وهي تحصد أحلام الشباب في العيش الكريم,أمام متطلبات الحياة المتجهة إلى الغلو بالأسعار والضرائب, الغير محكمة بارتفاعاتها,ليكون الحديث في الولاء والانتماء وإحكام العقل والتروي "مورفين" الوجع الأردني ,الذي يحتاج إلى قادة فيهم العزم والقدرة على الإقناع ,وأمثولة في الأخلاق ليكون الكلام مقنعاً وليكون الحدي متناغما ,وحتى لا تكون الكلمات مجرد خيالات حائمة فوق الرؤوس ,غير قادرة على الاستقرار فوق ارض الواقع. ماذا لو بقي وصفي بيننا؟ ليرى ما آلت إليه حالنا,ويرى حقول القمح الغربية, قد زرعت بالفلل والعمارات ,وأسوار عالية خلفها الملايين, التي لا يرى منها إلا الفتات في أطراف القرى ,وأراضي تباع بالسنتيمتر ورجال ما هم برجال .

إن رحيل العظماء عبر القدر رحمة لهم في أزمنة التردي ,وإبقاء على آثارهم , وبصمة عز وفخار ,لو علم الخونة ,أصحاب اليد العفنة الضاغطة على الزناد, أنهم فتحوا بخيانتهم وغدرهم ,سجلات التاريخ ليكتب اسم وصفي التل ,ليبقى فخراً لوطنه ولتبقى حروف اسمه ترعب الكثيرين ممن لا زالوا فوق الأرض وتزلزل قبور من ولوا من غير رجعة.

سنوات مرت علينا وعلى رحيل وصفي التل,كنت أتابع التلفاز في صالة بيتنا القديم في عمان ,وبفضول الأطفال سالت والدتي رحمها الله ,فأخبرتني عن وصفي التل وزيارته إلى الكرك ولقائه بالأهل هناك,لا زلت اذكر أنها زيارة شملت القرى في جنوب الكرك, الحسينية,المزار ،مؤتة وعي,أفواج كثيرة من الناس,واستقبال عز مثله لوزير أردني ,- فما حصل, ولن يحصل, أن يستقبل الناس وزرائهم وهم يحملون رشاشاتهم وبنادقهم , يطلقون أعيرة نارية في الهواء تكريما وفرحا ,إلا.. لوصفي التل,وفي الجنوب خاصة- تجمعت حول سيارته الجموع الغفيرة,تحفه الأهازيج الوطنية والزغاريد الكركية ,وحلقات السامر,وغناء الصبايا في ألهجيني والشروقي ,يحاولون الوصول إليه وقد خرج من سيارته بكل عفوية, ليكون قريبا منهم ,في تلك اللحظة,الممزوجة بالفرح والحذر, سمعت كلمات الوالدة وهي تقول:(هذا الرجل يحمل روحة على كفه) ,وكأنها كانت تتنبأ بنهايته التي كانت تنتظره على ارض ما حفظت أمان الضيف, وما منعت أيادي الغدر والخيانة,لتمتد إليه من سفلة القضية وشواذ العرب, كان خبر اغتياله ,عاصفة مزقت الوجد الأردني كافة ,من الشمال إلى الجنوب,حزن غطى القلوب واعتصر الألم ,على خيرة الرجال,تعزيهم مواكب الشهداء السابقة ومواكب الشهداء ألاحقة فوق تراب الأردن الغالي .

بحثنا عن راية سوداء نضعها فوق بيتنا ,حدادا وحزنا على فراق وصفي التل,فلم تجد والدتي إلا ( أردان مدرقتها المطرزة ) لتمزقها وتخيطها فوق سارية الحزن ,لتنصبها فوق سطح بيتنا ,لم نكن وحدنا في الحزن ,لقد اتشحت القلوب بالسواد, قبل البيوت ,كان حزنا على المصير, وعلى الأيام بدون وصفي التل, وعلى شعب قدم الكثير وفتح أبواب الأمان والاستقرار ,واقتصاديات ازدهرت فوق العاتق الأردني ,ليبقى وطن وصفي وطن الأردنيين الحاملين للذكرى ,والمعتنقين لفكر وصفي ,شيوخا عاصروه وعملوا تحت إشرافه ,وشعب حمل رايته,الى الأجيال قادمة ,فلا بد أن تبحث عن عظمائها ورجالاتها, ممن افتدوا هذه الأرض بأرواحهم ومهجهم ,وتميزت أفاق العز بسيرهم ووجودهم,ليتربع الشهيد وصفي التل في مجالس الشهداء برفقة هزاع المجالي وعبد الحميد شرف وآخرون, يقع على عاتق أبناءهم إعادة سيرهم ,وإظهار مناقبهم الوطنية, ليمتلأ سجل العز والفخار الأردني بأبنائه وشهدائه ,من كافة الميادين ,في القوات المسلحة وفي تقلد المناصب في العمل العام, ممن وضعوا كرامة الأردن والأردنيين هدفا لمسرتهم ,فرحلوا إلى الأبدية, يحملون وطنيتهم مشاعل تنير دروب الأوطان في القدوة والأمثولة ألحقه. رحم الله شهيد الأردن وصفي التل ورحم شهداء الأردن جميعا وعاش الأردن عزيزا كريما.

2010/7/31
1
شكرا اخت سهام على هذا المقال المميز عن الشهيد البطل وصفي التل الذي أحب الاردن وقيادته الهاشميه لدرجة العشق وقد ورث هذا الحب والعشق من والده مصطفى وهبي التل ( عرار ) شاعر الاردن الخالد
الشهيد وصفي الذي قدم روحه رخيصة في سبيل وطنه وقد دخل التاريخ الاردني من أوسع أبوابه وسيبقى ذكره محفورا في وجدان كل اردني ونقشا مطرزا في ذاكرة التاريخ الاردني
الرجال الرجال هم الذين يصنعون تاريخ وأمجاد أوطانهم أما الرجال الأنذال فانهم منبوذون وهم في مقابرهم في مزبلة التاريخ
غالب شرايحه
2010/7/31
2
سلمتي ياالاخت العزيزة سهام سلمت يااخت الرجال يابنت الكرك الابية اعلمي مادامت الاردنيات تحبل وتلد فانهن سيخلفن امثال وصفي وهزاع وكل الاحرار الاردنين امثالهم عاش الاردن وعاش مليكه والاردن ابدا الدهرفلامام
ابن طريف وادي السير
2010/7/31
3
رحم الله الشهيد وصفي التل ذلك الرجل الذي قلما يجود به الزمان مرة أخرى
د. ديالا طوالبه
2010/7/31
4
انت يا اخت الرجال تستحقين المدح والمدح الكثير ولكن المقام يستدعي ان نقول لكل الاردنيين والاردنيات النشميات اخوات وصفي وهزاع وكمال وفراس الي حطوا ارواحهم على كفهم وقالوا فداك با وطنانه نرفض العبث بتراب الاردن ومقدراته ونرفض العابثين المتسلقين ونطالب بالصوت العالي يا مثلهم يا بلاش
صدقيني يا اخت سهام انه النسيان نعمة من الله
محمد الجرادات
2010/7/31
5
((وكأنها كانت تتنبأ بنهايته التي كانت تنتظره على ارض ما حفظت أمان الضيف, وما منعت أيادي الغدر والخيانة,لتمتد إليه من سفلة القضية وشواذ العرب))
أجمل ما قرأت
2010/7/31
6
ياااااه كم نفتقدك يا أبا مصطفى..كم أنت عظيم بسيرتك و تضحياتك يا سيد الشهداء!!
أمنية
2010/7/31
7
اخت سهام شكرا
فاروق العبادي
2010/8/1
8
شكرا للاختنا، كم رئيس للوزراء قدموا فلا نتذكر منهم احد بالرغم من انهم كانو قبل سنين قليلة اما الشهيد وصفي التل الذي امتدت اليه ايدي الغدر واستشهد قبل ولادتي بعشر سنين فانني اعرف عنه الكثير وابحث دائما في سيره رجل من رجلات الاردن العطريين الله يرحمك يا رجل الاردن وصفي التل وهزاع و باشا الاردن حابس المجالي
ابن الشمال
2010/8/1
9
عندما نتحدثي عني وصفي التل فكئنكي تتحدثي عن الاردن وسمائها ونجومها وشمسها وقمرها وعندما تتحدثين عن الرجال فهوها صاحب المكانه بينهم وعندما تتحدثين عن حب الوطن فوصفي مثلنا الاعلى علمنا معناء حب الوطن وترابه هولاء الرجال الذين كانوا يمشون فوق التراب وخسرناهم عشقهم التراب واحتضنهم وكئن التراب يعلم اننا لانستحق مثل هولاء الرجال
الحباشنة
2010/8/1
10
هو وصفي .. الذي عجزن بطون الأردنيات أن ينجبن مثله كان هبة من عند الله للأردن و لا زال .. بقائه عالقا في ذاكرتنا .. لا يعني تشبثنا بأثر الماضي .. لا بل بالتطلع قدما نحو مستقبل مشرق و أفضل .. أين رؤوسكم من نعله ...! . . . رحمك الله يا شهيد =..( . . .
Nightingale
2010/8/28
الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'خبرني ' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشرأي تعليق يتضمن اساءة أوخروجاعن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .